فخر الدين الرازي
127
تفسير الرازي
سورة الطارق سبع عشرة آية مكية وهي مشتملة على الترغيب في معرفة المبدأ والمعاد بسم الله الرحمن الرحيم * ( وَالسَّمَآءِ وَالطَّارِقِ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ * إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ) * . اعلم أنه تعالى أكثر في كتابه ذكر السماء والشمس والقمر لأن أحوالها في أشكالها وسيرها ومطالعها ومغاربها عجيبة ، وأما الطارق فهو كل ما أتاك ليلاً سواء كان كوكباً أو غيره فلا يكون الطارق نهاراً ، والدليل عليه قول المسلمين في دعائهم : نعوذ بالله من طوارق الليل وروي أنه عليه السلام : " نهى عن أن يأتي الرجل أهله طروقاً " والعرب تستعمل الطروق في صفة الخيال لأن تلك الحالة إنما تحصل في الأكثر في الليل ، ثم إنه تعالى لما قال : * ( والطارق ) * كان هذا مما لا يستغنى سامعه عن معرفة المراد منه ، فقال : * ( وما أدراك ما الطارق ) * قال سفيان بن عيينة : كل شيء في القرآن ما أدراك فقد أخبر الرسول به وكل شيء فيه ما يدريك لم يخبر به كقوله : * ( وما يدريك لعل الساعة قريب ) * ( الشورى : 17 ) ثم قال : * ( النجم الثاقب ) * أي هو طارق عظيم الشأن ، رفيع القدر وهو النجم الذي يهتدى به في ظلمات البر والبحر ويوقف به على أوقات الأمطار ، وههنا مسائل : المسألة الأولى : إنما وصف النجم بكونه ثاقباً لوجوه أحدها : أنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه كما قيل : درئ لأنه يدرؤه أي يدفعه وثانيها : أنه يطلع من المشرق نافذاً في الهواء كالشئ الذي يثقب الشيء وثالثها : أنه الذي يرى به الشيطان فيثقبه أي ينفذ فيه ويحرقه ورابعها : قال الفراء : * ( النجم الثاقب ) * هو النجم المرتفع على النجوم ، والعرب تقول للطائر إذا لحق ببطن السماء ارتفاعاً : قد ثقب . المسألة الثانية : إنما وصف النجم بكونه طارقاً ، لأنه يبدو بالليل ، وقد عرفت أن ذلك يسمى طارقاً ، أو لأنه يطرق الجني ، أي صكه . المسألة الثالثة : اختلفوا في قوله : * ( النجم الثاقب ) * قال بعضهم : أشير به إلى جماعة النحو